دراسة مؤلف" أوراق " عبدالله العروي


" أوراق " عبدالله العروي( 0 )
القراءة التوجيهية :
من المؤلِّف إلى المؤلَّـف :
شخصية فكرية وإبداعية , ارتبط اسمه بالدعوة إلى إعادة قراءة التاريخ المغربي :
" تاريخ المغرب , محاولة في التركيب " ,
وقد تركزت نظرته على ضرورة النقد والانتقاد للكتابات التاريخية ذات الطابع الرسمي , على أساس تجاوزها للأمانة العلمية والدقة المنهجية , في عرض الوقائع والأحداث , مما أنتج تاريخا يفتقر إلى الصدق والانطلاق من الحقائق .
كما اقترن اسم عبد الله العروي ,
بالمساهمة المبكرة في المشروع التنظيري لآفاق المجتمع العربي المعاصر , على أساس طرح تصور جديد لما يمكن أن يكون عليه المشروع الفكري النهضوي العربي , انطلاقا من حاجات مراجعة الذات وقراءة التراث التاريخي , من منظور متحرر يكفل التفاعل الايجابي مع متغيرات العصر, فكان كتابه :
الإيديولوجيا العربية المعاصرة .
وجاءت كتاباته حول بعض المفاهيم مثل الدولة والحرية والعقل , ضمن سياق انشغالاته بإعادة النظر في كثير من الثوابت التي استمرت تتحكم في التفكير العربي , على أساس أنها مسلمات مطلقة , لا يمكن التخلص من سلطتها وسيطرتها على الوعي والسلوك الفردي والجماعي ,
غير أن الأهم , هو مشروعه الأدبي المتمثل أساسا في مجموعته الروائية " الغربة " " اليتيم " "الفريق" ثم مؤَلَّف أوراق.
لماذا تحدثنا عن المؤلفات الثلاثة على أساس أنها روايات دون تصنيف أوراق ؟
هل تندرج ضمن نوع من الكتابة غير الروائية ؟
هل يتعلق الأمر باستعصاء تصنيف " أوراق " , بحيث لا يمكن الحسم في تجنيسها الأدبي بين الكتابة السيروية والكتابة الروائية , بعد إعلان العروي نفسه عن كونها سيرة إدريس الذهنية ؟
************
أما المؤلَّف ,
فيمكن الوقوف عنده ضمن القراءة التوجيهية , من خلال
شكل إخراجه(الحجم / الورق/ تأثيث الصفحة الأولى و الأخيرة )
وبنية تأليفه(العنوان / الملحقات /المقدمة / الخاتمة / الفهرس / الهوامش / التوزيع بين الفصول و الأقسام / العناوين الفرعية/ الاتصال والانفصال) ,
وما يتصل بهما من مؤشرات تتصل بالإصدار و الطبعة.
مقاربة المحدد الذي أعلن عنه العروي : " سيرة إدريس الذهنية "
المفهوم العام للسيرة ؟ و أسئلة التاريخ المرتبطة بالصدق والأمانة والدقة .
ماذا يمكن أن يعني مصطلح السيرة الذهنية ؟
سيرة ذهنية على أساس تتبع ومتابعة ما يتصل بالنشاط الفكري والعقلي لشخصية إدريس ؟ أ
م سيرة ذهنية على خلفية ما يروج عنه في أذهان الآخرين من المحيطين به أو الذين عايشوه سواء عن قرب أو بعد في ماضيه وحاضره ؟
يقودنا التساؤل حول البحث عن مادة تلك السيرة الذهنية , إلى السؤال عن نوعية السيرة المرتقبة ,
هل هي سيرة ذهنية لإدريس كتبها عن نفسه في إطار السيرة الذاتية ,؟
أم أنها مكتوبة عنه من الخارج في إطار السيرة الغيرية ؟
*****************
القراءة التحليلية :
- وقفة مع المقدمة باعتبارها توجه القارئ نحو القصد من التأليف والرهان الذي انشغل به الكاتب كرسالة للمتلقي .
- مساءلة الفصول :
* من خلال تلخيصاتها
* من خلال محاورها وموضوعاتها وقضاياها
* من خلال إحالاتها ومؤشراتها
- محاولة الارتباط بالمحدد الذي أعلنه العروي حين حصر " أوراق " بسيرة إدريس الذهنية .

مــؤلــف * أوراق * لعبد الله الـعـروي 1

إن ورقات *إدريس* التي ستشكل محور البناء السردي , تجد مرجعيتها في الذاكرة التاريخية , انطلاقا من تحركه من* الصديقية* إلى *مراكش* ثم *الرباط * ، وصولا إلى *باريس* قبل عودته في النهاية إلى المغرب.
و سيؤطر هذا التحرك منعطفات المراحل التي تشكل فيها وعيه و وجدانه، إذ احتك فيها بموضوعات طبعت مسار تعلمه و تربيته. وهي مراحل تلخص سيرته الذهنية بدءاً بولادته و انتهاءً بموته، من هنا يمكن اعتبار الأوراق، وثائق شخصية يحكي فيها إدريس مراحل نمو وعيه بالدرجة الأولى، أو أرضية تساعد على توضـيح تشـكل هذا الوعي،
و قد تميزت الأوراق بعدم الخضوع للتعاقب الخطي المنتظم، بــل قامت على التضمين و الانشطار الحكائي و التقطعات الزمنية، فهناك تضمينات حكائية داخل الأوراق، و هناك انقسام و تفرع المحكي المحوري إلى محكيات متصلة أو منفصلة , تـؤثـث الفضاء الزمكاني للحياة التي عاشها *إدريس*
من هنا ينعدم الترتيب الزمن الكرونولوجي التعاقبي في "أوراق"، لـيعوض بترتيب موضوعاتي , يتجلى في البنية المكونة من ثلاثة أقسام و تسعة فصول و ثمانية و ثلاثين ورقة وقعها إدريس...... -/*/*-*/
و هكذا نجد "أوراق" تتكون من ثلاثة أقسام، تبدأ بمدخل أو استهلال بعنوان "شبح شعيب" و تنتهي بخاتمة بعنوان "التأبين"، إضـافة إلى تذييل الكتاب بالهـوامش، و فهرس المحتويات. و كل قسم من هذه الأقسام يشمل ثلاثة فصول، و لكل فصل عنوان يميزه، و يكون عددها تسعة تضم دراسات في الأدب و التاريخ و الفكر... و بذلك تعكس تداخل الروائي و المؤرخ و المفكر عند عبد الله العروي.........
نكتشف أن "إدريس" يمثل رؤية المثقف العربي الذي يؤمن بمواقفه و يتشبت بها، و تتلخص في إيمانه بقضيته الوطنية التي يحاول أن يجعلها سامية تتنزه عن كل مصلحة مادية، هذه المصلحة التي تشكل رؤية أخرى، يجسدها الطلبة الفوضويون الذين سارعوا إلى العودة من فرنسا إلى المغرب بعد إعلان الاستقلال، للتكالب على المناصب و اغتنام الامتيازات...... أما النسيج الاجتماعي الذي انتظم أحداث النص، فيتكون أغلبه من فئات مثقفة، يقف إدريـس على رأسها رمزا لطبقة واعية تتابع الأحداث الوطنية و تناقشها و تحلل قضاياها و تستشرف آفاقها المستقبلية. و هذا يحيل أيضا على تيار الحركة الوطنية التي مثلت عنصر إصلاح عن طريق الوعي، و تبني مشروع يهدف إلى ترسيخ المقومات الوطنية العربية الإسلامية في فئات المجتمع و توعيتهم بهويتهم... و في هذا الإطار يناقش إدريس أباه، و يعارض تصورات* إدريس الشرايبي* في كتابه "الماضي البسيط"، كما يشير إلى بعض الشخصيات الوطنية الممثلة للإصلاح على مستوى الزعامة، حيث نجد حديثا عن *علال الفاسي* و كتابه "النقد الذاتي" الذي صدر في أواخر الأربعينيات، و لخص فيه مشروعا إصلاحيا مستقبليا يسير على ضوئه مغرب مرحلة الاستقلال.... كـذلك نجـد الفئة الممثلة للوجهة المناقضة، و على رأسها الاستعمار الفرنسي و الممثلون لإديولوجيته القائمة على الانتقاص من المشروع الإصلاحي الوطني، و اتهـام أصحـابه بالتحـالف مع الشيـوعيين لزحزحة الرابطة القوية بين الوطنيين ومحمد الخامس، و كذا للتأثير على السياسة الأمريكية في هذه المرحلة.
يمكن أن نضيف في مجال الطابع الحواري لأوراق ما يمكن اعتباره تناصا، حيث نجد فيها تداخلا مع نصوص فلسفية تتمثل في قراءات و تعليقات إدريس لكتب المفكرين و الفلاسفة، و نصوص تاريخية تحيل بالخصوص على جوانب من تايخ المغرب، و نصوص أدبية نقدية تناقش قضايا الكتابة بصفة عامة، و نصوص سينمائية تناقش أشرطة و تعلق عليها. بل نجد هذا التناص يتقاطع مع أعمال العروي الروائية الأخرى كـ "اليتيم" و "الغربة" و "الفريق"، و ذلك على مستوى الشخصيات و الموضوعات و الفضاءات، و كأنه بذلك "كان يجد نفسه - تحت تأثير التجريب" مشدودا إلى كتابة (مطولة) تتفق في الشخوص و الفضاء و الزمن و الموضوعات..... يمكن تلخيص الدلالات النفسية عند إدريس بشعوره بالفراغ العاطفي على مستويات متعددة، فهو اليتيم الذي فقد الأم منذ طفولته المبكرة وبالتالي فقد حنان التربية في هذه المرحلة، وعايش أسرة لم يستطع أفرادها ملء الفراغ الذي تركته الأم.


مــؤلــف * أوراق * لعبد الله الـعـروي 2

رفض الكاتب عرض المحتوى من خلال تعاقب خطي / فاعتمد الحكي الذي يتضمن انشطارات الذاكرة وهي تستحضر أحداثا وحالات معيشية من حياة الإنسان المغربي, للدفع بالقارئ إلى الانخراط في إعادة صياغة ذلك المحكي, كما اعتمد تعدد أصوات الحكي بين *الراوي* و *شعيب* و *إدريس* لاستغراق الأربعين سنة من عمر إدريس, وجاء هذا التعدد و النوع , ليضفي تشويشا مقصودا , كي يواجه المستهدف بالنص على مستوى البعدين النقدي و الانتقادي , فيطرح السؤال حول جنس *أوراق* ورهانها بين التاريخي والفني .
هل كان الاتجاه نحو إعادة تصوير الواقع أم صوب إعادة كتابة التاريخ ؟
هل يحيل النص سواء اعتبرناه سيرويا أو عددناه روائيا على نموذج يتطلع إليه الكاتب عبد الله العروي ؟
هل ارتبط العروي بالتاريخ عاطفيا و ذهنيا قبل الارتباط به ثقافيا ومعرفيا ؟
هل اختار العروي الفن السردي قصة ورواية , أداة تعبيرية عن رؤيته التاريخية ,باعتبار إمكانياته التمويهية التي تنفلت من عين الرقابة على التاريخ الرسمي ؟ أو أنه اختاره لقيامه على الانسياب في الرواية و الحكي, وهو أحد مقومات التاريخ الذي يشتغل أساسا على المحكي كمادة تاريخية ,؟
إذا كان من الوارد افتراض اتجاه العروي إلى التاريخ عبر بوابة السـرد, بحيث تتم إعادة كتابتـه عرضا وتحليلا ونقدا من منظور مغاير, كما تتم إعادة حكيه بصيغة فنية تحقق المتعة المعرفية المتجددة , التحايل على التاريخ بالفن,
هل يمكن افتراض اتجاه العروي إلى السرد عبر بوابة التاريخ , لأن مادته الموضوعية , حدثية بطبيعتها , بحيث تعتمد على حركة الإنسان في الزمان والمكان , في سيرورته وصيرورته , و هو يصارع أسباب موته ضد نفسه وضد الوجود من حوله , بمختلف مظاهره الطبيعية والاجتماعية والسياسية والثقافية .
يمكن أن نقرأ * أوراق * أفقـيـا , من خلال الربط بين تتابع حكي إدريس عن نفسه,وبين حكي شعيب والراوي عنـه , على أساس أنها كتابة سيروية , تندرج ضمن السرد الجديد الذي لا يعترف بالفصل بين الأجناس الأدبية , بحيث يتم التعامل مع التاريخ بلغة السرد الفنية.
كما يمكن أن نقرأ *أوراق* عموديا, من خلال إحالة مختلف الوقائع السردية, على مكونات المادة التاريخية المتصلة بها في الواقع , بحيث يتحول قارئ النص السردي السيروي , إلى قارئ للنص التاريخـي , برؤية متجددة ترفض التسليم بالأحكام الجاهزة والمقولات المسلم بها على اليقين المطلق لفائدة اليقين النسبي
تنطلق *أوراق* عبد الله العروي من موت إدريس , لاستحضار مسيرة حيـاتـه , منذ تحرك" من الصديقية إلى مراكش والرباط و البيضاء , استعدادا لرحلته إلى باريس التي تشكل فيها وعيه بذاته وبالعالم , قبل الرجوع إلى المغرب ليحتضنه الموت .
ويتم على امتداد عرض الورقات و تداول الفاعلين حولها ,تقديم مختلف التحولات التي مر بها إدريس , من بداية الوعي الحسي المنفعل بتأثيرات المحيط ( استحضار البيئة الأسرية والتربوية والاجتماعية والدينية) , إلى مرحلة النضج الذهني والفكري , المتفاعل مع تأثيرات الثقافة بمختلف حمولاتها الدينية و التربوية و الإيديولوجية .(الجرد العام لمقروءات إدريس الأدبية والفكرية و الفلسفية والدينية)
هل قصد العروي كسر رتابة السرد الحكائي ذي الطابع التاريخي برفض الخضوع للتعاقب الخطي المنتظم , لفائدة التضمين الذي يستفيد من استحضار وقائع من الذاكرة عن طريق الاسترجاع ؟
إن طبيعة المرويات التي تعرضها ورقات إدريس , ويسعى كل من الراوي وشعيب لإعادة ترتيبها وتنظيمها ,أو تحليلها والتعليق عليها , كل من موقع علاقته بإدريس , إن تلك المرويات لا تقدم أخبارا عن حوادث عيشت في الواقع الكائن فحسب , وإنما تقدم هموما وانشغالات ظلت تؤرق الذهن حول ما كان ينبغي أن يكون ,(نقف في هذه الملاحظة على الرؤى التي عبر عنها إدريس , في سياق قراءتـه للواقع السياسي والاجتماعي والديني :/ الشعب / الوطن / الحزب / التخلف / الإسلام/ الرأسمالية / الاشتراكية / الشيوعية / الفوضوية / الفلسفة / الغرب / المرأة / ) ......لذلك يعتبر البعض ورقات إدريس، وثائق شخصية يحكي فيها عن مسار نمو وعيه , قبل وخلال تشـكل هذا الوعي، ليس أساس التتابع الزمني وفق التسلسل التاريخي , وإنما على أساس القضايا والموضوعات التي شغلته كما شغلت جيله , مع تفاوت في درجات ذلك الوعي .
في "أوراق"، ثلاثة أقسام يشمل كل قسم منها ثلاثة فصول, و لكل فصل عنوان يحيل على الموضوعة التي ستكون محوره. وتنطلق من مقدمة "شبح شعيب" لتنتهي إلى خاتمة "التأبين"، قبل عرض الهـوامش، و فهرس المحتويات
يهيمن حضور التأمل والتفكير على مختلف ورقات إدريس , فيبدو ممثلا لحركة الوعي الوطني , معبرا عن تحولاتها في اتجاه البحث عن صيغة مناسبة للخروج من أزمة الواقع , تتناسب مع خصوصيات الذات المغربية , بمراعاة هويتها اللغوية والثقافية والدينية, ويكون إدريس بذلك , مثالا للمثقف المغربي المؤمن بقضيته الوطنية , في مواجهة تفكير بعض مجايليه من الأدباء (معارضتـه لتصورات إدريس الشرايبي في كتابه "الماضي البسيط") أو السياسيين (علال الفاسي ومشروع الإصلاح لمغرب ما بعد مرحلة الاستقلال من خلال كتابه "النقد الذاتي")
لا يعني ذلك سكوت إدريس عن همومه الفردية ذات الصلة بشخصيته العاطفية والفنية , مما له صلة بالظروف التي نشأ فيها أو المحيط الدي انفعل به وتفاعل معه نفسيا واجتماعيا (اليتم / العزلة/ الواقع / الوطن / الاحتلال
 

مــؤلــف * أوراق * لـعـبـد اللـه الــعــروي3


يذهب البعض إلى اعتبار الأقسام والفصول المكونة لبنية مؤلف أوراق , تنويعا سرديا يعكس مقاصد ذهنية تشعل عبد الله العروي المؤرخ قبل الأديب , وحددوا تبعا لهذا الاعتبار ,رهانين سعت أوراق إلى تحقيقهما , الأول أصلي ,يرتبط بالرؤية العروية للتاريخ ,والمعبر عنها بأساليب مختلفة حول مقولة غياب التاريخ التاريخي في التأليف المصنف على أنه تاريخ . والثاني فرعي , يتصل بالأداة التعبيرية التي اختارها العروي لتمثيل قناعته السالفة , ويتعلق الأمر هنا بالكتابة السردية, موضوع السجال الحاد بين قائل بنسبتها إلى السيرة وقائل بردها إلى الرواية , بل اختزل بعضهم إشكالية التجنيس في اعتبار أوراق سيرة روائية يمكن أن تؤول إلى رواية سيروية, بحيث يتم التعاطي معها من زاوية الجنسين الأدبيين .
ولأن التعامل مع النوايا والمقاصد التي سعى عبد الله العروي إلى تجسيدها من خلال ورقات إدريس وما دار حولها من أحاديث وحوارات بين شعيب والراوي , يمكن أن يتوه القارئ بين ما هو ذاتي وما هو غيري في تعبيرات العروي , بمعنى أن ثمة أفكارا تضمها الحكي , ليست بالضرورة من صميم قناعة العروي, فإن أسلم طريق لمقاربة نوعية الكتابة التي راهن عليها العروي , إنما يجب أن تمر عبر الصريح في النسبة اليه , من داخل النص وليس من خارجه , وذلك اعتمادا على ما يقترب من الاعترافات والبيانات ممن يفترض فيهم أنهم مرايا متقابلة تنعكس عليها الصورة .
وقد أخذت بعض من تلك التعبيرات , لتناولها بالتحليل , كمؤشرات دالة على نوعية الكتابة التي راهن عليها عبد الله العروي في أوراق :

اقرأ الأوراق, حللها, أولها, ربما تفهم سبب موته.
أنت أقدر الناس على استنباط مـا نـوى.
كنت أظن أني أعرف إدريس.
ثم باعدت بيننا الحياة عند انتهاء الدراسة.
أتصفح الأوراق فـأكتشف شخصا آخر.
يدعي البعض القدرة على استحضار الماضي.
لا أستطيع حتى استحضار شكل إدريس.
كل واحد من الصديقين يقرأ الأوراق ويفهمها حسب تكوينه الذهني واختياره العقائدي.
للقارئ أن يفصل.
الأبسط هو فتح الطريق إلى الاستماع.

مــؤلــف * أوراق * لـعـبـد اللـه الــعــروي4


اقرأ الأوراق........ يفترض صدور الآمر بالقراءة عن الشخصية التي تملك موقعا أقوى بالنسبة للمأمور , إلا أن موقع شعيب هنا غير ذلك , لأنه يدعو الراوي إلى قراءة الأوراق على خلفية الحاجة إلى تحليلها وتأويلها, كأنه يدفعه إلى معرفتها في ضوء ما تحتفظ به ذاكرته عن *إدريس* , وليس فقط عبر ما تصرح به تلك الأوراق ,و يأتي لفظ *ربما * لإفادة احتمال فهم سبب موته , منعا لأي اعتقاد في الاقتدار على القول الفصل في تحديد ذلك السبب , بحيث تحيلنا نفس اللفظة على هامش الشك الذي يتبناه شعيب .
تبدو الدعوة إلى القراءة بصيغة الأمر, خطابا موجها لجميع المعنيين بمراجعة الإرث المتخلف مكتوبا على الورق , من قبيل التاريخ أساسا, إذ ما أحوجه إليها تحليلا وتأويلا , دون تناسي احتمال الشك فيما يمكن أن يوحي باليقين المطلق .
أنت أقدر الناس ........... لعل التوكيد على القدرة بصيغة التفضيل المفيدة للإطلاق , تتعارض مع ما سعى *العروي* إلى نفيه في العبارة الأولى , خاصة إذا استحضرنا ترابط هذه القدرة باستنباط النوايا,و تجاوزها للعلم بالممكن إلى العلم بالغيب . غير أن العبارة تحافظ على اتصالها بالسابق , مع افتراض صدور التأكيد عن اقتناع راسخ بأن ثمة حقيقة يمكن البحث عنها في المعرفة بالذات التي يعود إليها وحدها الاقتدار على الاستنباط ..... أليست العبارتان معا صادرتين عن *شعيب* في نفس السياق , و متـعلقـتـين بـتـوجيه الخطاب لنفس الشخص / *الراوي* .؟
لقد حاول شعيب أن يتوسل بالراوي في الوصول إلى حقيقة موت إدريس , لأنه في رأيه يمتلك القدرة على تجليتها بظاهرها القابل للتحليل والتأويل, قدرته على استنباط باطنها الذي تختزنه النوايا.
و أمر *شعيب * للراوي بالبحث عن سبب موت إدريس, من منطلق احتمال الفهم, غير منفصل عن البحث في النوايا , مما لم يكن معلنا بأقوال أو أفعال, إذ القاسم المشترك بينهما فضاء الحياة الممتدة بين الحضور المتجلي في حركة الذهن والغياب المحكوم بحركة الواقع ........ كنت أظن أني أعرف إدريس ......... هكذا يرد الراوي على دعوة شعيب في نفس السياق , منطلقا من الماضي المثبت ,لإفادة الاعتراف بأن معرفته بإدريس قد أصبحت معلقة وموضع شك وسؤال , كأنه يترك للقارئ تقدير النفي في الحاضر ,بعدما تبين للراوي في النهاية أن ما كان يعرفه عن إدريس , إنما كان من قبيل الصورة غير الحقيقية له... .. هل كان الراوي يريد وضع شعيب أمام حقيقة استحالة التعرف على إدريس من خلال ورقاته , باعتبارها لا تمثل معرفته به, على امتداد صحبة الدراسة في الداخل والخارج ؟ أم أنه كان يقصد الإحراج الذي وقع فيه هو نفسه , بسبب اكتشاف شخصية أخرى لم يعهدها في إدريس , وهو الذي كان يظن أنه يعرف إدريس ؟ إن الموقف العبر عنه , منسجم مع الفكرة التي يؤمن بها العروي , والمرتكزة حول فكرة التجني على التاريخ , حين يدعي كاتبه المعرفة بتفاصيله الكبرى ناهيك عن الصغرى , .... وسيكون الراوي بذلك أمام صورة لإدريس بوجهين : وجه ترتسم ملامح شخصيته في ذاكرته , و وجه يتكشف أمامه غريبا لا عهد له به , تتضمنه الأوراق .لكنه دونما حاجة إلى التساؤل عن أي الوجهين أكثر مصداقية في تمثيل إدريس , يسارع إلى نفي معرفته به لفائدة الشك , هل كان بذلك يشكك في فيما تقدمه الأوراق ؟ هل كان يستهدف نزع اليقين الممكن كما يراه شعيب ؟ أم أنه ببساطة , يضع القارئ أمام الحاجة إلى الاستقصاء المنهجي في التعامل مع ما يعتبر من قبيل السيرة التي تدعي القدرة على تقديم الحقيقة ؟ إن الراوي إزاء خيارين : إما أن يصدق معرفته ؟ وإما أن يصدق ما تقوله الأوراق ........ثم باعدت بيننا الحياة عند انتهاء الدراسة ..... بهذا يحاول الراوي أن يبرر موقفه , فيرد ظنه إلى عامل الزمن والحياة ,باعتبارهما متغيرين حاسمين , يرجع إليهما هذا التلاشي الذي أصاب معرفته بإدريس ,إذ ثمة ما يجهله , بعدما باعدت بينهما الحياة عند انتهاء الدراسة ,مـؤكدا مرة أخرى تأثير الانفصال على مخزون الذاكرة , حين تحاول استحضار الماضي على الهيئة التي تشكل منها ......... أتصفح الأوراق فـأكتشف شخصا آخر.... ويعود الراوي مجددا إلى تبرير عجزه عن الاستجابة لمطلب شعيب , مادام يكتشف شخصا آخر غبر تصفحه للأوراق , لا علاقة له بالشخص الذي عرفه , نافيا بذلك لشعيب ما كان لديه من اعتقاد حول إمكانية التحليل والتأويل , على خلفية معرفة الراوي بإدريس , وبالتالي فكتابة السيرة مستحيلة بالمعنى التاريخي الذي يتطلب الصدق والتوثيق والأمانة والموضوعية , بحيث لا يمكن للمؤلف فيها إلا أن يعـتـرف بتصنيف ما يكتبه داخل جنس آخر غير الكتابة السيروية بالمعنى التاريخي , ولماذا لا تكون كتابة سيروية روائية, تستفيد من السرد الفني لغة وتركيبا وتخيلا .؟ بحيث لا يبقى مجال كي يدعي البعض القدرة على استحضار الماضي..... وقد عبر الراوي عن تلك القناعة بلفظة قوية في دلالتها على النفي ,فجاءت يدعي بصيغة الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال , ومضمون الادعاء الأقرب في الذهن إلى الكذب, أما حين يقول : لا أستطيع حتى استحضار شكل إدريس....... فإنه يذهب أبعد من الشك والتشكيك , لكي لا ينفي فقط القدرة على استحضار الماضي كما يدعي البعض , وإنما يتجاوز ذلك إلى عدم استطاعتـه حتى استحضار شكل إدريس , ومن يكون في هذا المستوى من العجز حتى عن استحضار الشكل , لا يمكنه قطعا ادعاء استحضار المضمون وهو المادة الأساسية والحيوية لكل سيرة يفترض فيها أن تكون تاريخية , لذلك سيظل الراوي على امتدد المؤلف ,حذرا في قراءته وفهمه لأوراق إدريس ,مقتنعا أن كل كتابة عنه , يكون سندها ما تختزنه الذاكرة , تبقى موضوع مراجعة ونقد وتقييم يستفيد من أكثر من مصدر يحيل عليها أو تحال عليه

مـؤلــف * أوراق * لعبد الله العـروي 5

إذا انتقلنا إلى صوت المؤلف في أوراق ,من خلال المقدمة الصريحة في الإعلان عن البعد المستهدف من التأليف ,فإننا سنجد عبد الله العروي , واضح الرؤية في اختياره الرافض لكتابة سيرة يمكن أن تدعي صدقيتها وموضوعيتها ,بل تؤشر أكثر من عبارة على ضرورة الانتقال بالمفهوم الأدبي للسيرة من المستوى التاريخي الأحادي المصدر , إلى المستوى الفني , المتعدد الأصوات والمتنوع الأدوات التعبيرية .
كل واحد من الصديقين يقرأ الأوراق ويفهمها حسب تكوينه الذهني واختياره العقائدي..... لعل أول ما يلفت النظر في هذه العبارة , وجود كل من شعيب والراوي في مستوى واحد من الصداقة بالنسبة للارتباط بإدريس , ونلمس ذلك في * أوراق * من خلال تكامل معرفتيهما به , بحيث يمثل شعيب مرحلة الطفولة المرتبطة بمكان النشأة الأولى في *الصديقية* بين البيت والمدرسة والحي , بينما يمثل الراوي مرحلة التكوين التي استغرقتها سنوات التعلم في الداخل والخارج , قبل أن تفرق بينهما الحياة ...وكلاهما يقرأ الأوراق ويفهمها , لكن على أساس الاختلاف العائد إلى طبيعة التكوين الذهني من جهة والاختيار العقائدي من جهة أخرى , مما يجعل إمكانية الاتصال بينهما حول قراءة واحدة أمرا مستبعدا, وهو ما يفتح باب الاجتهاد في التأويل لإنتاج سيرة ثانية وثالثة ورابعة .. على هامش الورقات التي خلفها إدريس ..... انطلاقا من خصوصيات المستقبل الذهنية والعقائدية.......
وإذا كان التكوين في دلالاته العامة, يحيلنا على الحصيلة الفكرية والعقلية والتجربة الحياتية التي خبرها كل واحد منهما, فشكلت قاعدة رؤيته للذات والعالم , فإن الاختيار العقدي سيحيلنا,على مستوى الانتماء المذهبي لحزب أو جماعة أو تيار إديواوجي,كما يحيلنا على مستوى الاعتقاد الديني ودرجة الولاء في التطبيق للتعاليم في أصولها أو تأويلاتها, ويشكل كل منهما رافدا ديناميكيا له دوره في القراءة والتقييم في الحاضر , إلا أن غيابهما بدرجات متفاوتة الماضي , أثناء معايشة إدريس , يضعف من قيمتهما , على أساس أن كتابة سيرة لإدريس الآن , تتأثر إلى حد بعيد ,بمتغيرات الوعي وتحولات المسار المعيشي , بل ربما كانت ضحية إسقاطات للواقع على التاريخ ..... والعروي بهذا التحديد لزاوية القراءة المحتملة , والمتعددة المستويات , إما على خلفية التكوين الذهني أو الاختيار العقائدي , يصلنا بما دافع عنه الراوي منذ البداية , حين رفض مسايرة شعيب في تحميله مسؤولية كتابة سيرة لإدريس من خلال ورقاته , مما جعل البعض يذهب إلى التوازي بين الراوي والمؤلف على امتداد الفصول .
وسيحدد العروي موقفه , بإرجاع الحكم إلى القارئ الذي عليه أن يفصل في النهاية , * للقارئ أن يفصل* بحيث يؤول القول في تقدير القيمة التوثيقية للورقات , وما يتصل بها من قراءات شعيب أو تأويلات الراوي , للقارئ الذي لا يجب أن ينساق لمصادرهم , ما دامت عرضة لآثار التكوين الذهني أو الاختيار العقائدي .... وهنا نعود إلى نوعية الكتابة التي راهن عليها العروي في مؤلفه أوراق , باعتبارها تتجاوز السيرة بمفهومها التاريخي من جهة, لاستحالتها عمليا من خلال ما فصله من مبررات, وباعتبارها تستجيب لضرورة تجاوز الإطار الذي تتشكل فيه تلك السيرة من جهة أخرى.... بحيث يصبح هامش الحرية في التخيل العاقل , محركا حيويا للقوى الفاعلة في البحث عن الصيغة المناسبة للاحتفال بأربعينية إدريس , ما دام كل من شعيب و الراوي والورقات , يقدم الصورة التي تختزنها الذاكرة عن الماضي , من منظور اللحظة المعيشة في الحاضر ..... ولا يمكن لأي منهم أن يدعي تلك القدرة, على الوفاء لإدريس بالحقيقة المطلقة اليقينية ..... الأبسط هو فتح الطريق إلى الاستماع. .... وهم مطلب يطال الكل , من شعيب والراوي إلى إدريس والقارئ , لأننا قد نصبح أمام الأعقد , وهو غلق طريق الاستماع , بما يمكن أن يترتب عنه من إعادة إنتاج القراءة الأحادية للواقع , واستعادة الولاء لسلطة الفكر المطلق .........
لقد اختار العروي كتابة تركيبية للتاريخ الفردي المؤطر تقليديا ضمن السيرة , فاستند إلى الواقع منظورا إليه من زوايا أو مرايا مختلفة , ليعيد خلق تلك السيرة بشكل فني يستفيد من تقنيات السرد قصة ورواية

(1) ولد عبد الله العـروي سنة 1933 , سافر إلى باريس لمواصلة التحصيل العالي بمعهد الدراسات السياسية وكلية الآداب بجامعة باريس سمنة 1956 , لكن الاتجاه إلى البحث التاريخي, سوف يستغرقه للوصول إلى تتويج دراسته العليا بدكتوراه الدولة في التاريخ سنة 1976.ويعتبر العروي أكثر المفكرين صمتا إن لم يكن تحفظا, اتجاه العديد من القضايا المطروحة.
(2) كتب إلى حد الآن بين الفكر والتاريخ والفلسفة والأدب على الترتيب الزمني:
* الإيديولوجية العربية المعاصرة 1970
الغربة 1972.
العرب و الفكر التاريخي 1973
أزمة المثقفين العرب 1974
أصول الوطنية المغربية 1977
اليتيم 1978
مفهوم الإيديولوجية 1980
مفهوم الحرية 1981 مفهوم الدولة 1981
ثقافتنا في ضوء التاريخ 1983
التاريخ : مجمل تاريخ العرب 1984

الفريق 1986
أوراق 1989
مقاربات تاريخية 1992
خواطر الصباح 2003
(3) ترد هذه العبارات في المقدمة التي أخذت ثلاث صفحات, لذلك لا حاجة إلى تبويبها مرقمة ضمن الهوامش
* صدر باسمه مؤخرا كتاب :* المغرب والحسن الثاني*, وهو مجموعة كتابات متفرقة في الزمان والمكان, جمعتها *نادية زيان*, لترجمة الأفكار التي عبر عنها عبد الله العروي , حول مختلف القضايا ذات الصلة بالتحولات التي تعرفها الساحة السياسية والفكرية المغرب